أحمد بن يحيى العمري
71
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فدخلت الدار ، وطلبت شيئا أقدّمه إليه ، فكان في البيت شيء من طعام حمل إليّ من عرس قوم ، فقدّمته إليه ، فأخذ لقمة وأدارها في فمه مرّات ، ثم إنه قام وألقاها في الدهليز ، ومرّ ! . فلمّا رأيته بعد ذلك بأيّام ، قلت له في ذلك ؟ . فقال : إني كنت جائعا ، وأردت أن أسرّك بأكلي ، وأحفظ قلبك ، ولكن بيني وبين الله سبحانه وتعالى علامة : أن لا يسوّغني طعاما فيه شبهة ، فلم يمكنّي من ابتلاعه ، فمن أين كان لك ذلك الطعام ؟ . فقلت : إنه حمل إليّ من دار قريب لي من العرس . ثم قلت : تدخل اليوم ؟ . فقال : نعم . فقدّمت إليه كسرا يابسة كانت لنا ، فأكل وقال : إذا قدّمت إلى فقير شيئا ، فقدّم إليه مثل هذا . « 1 » وسئل الحارث عن العقل ما هو ؟ . فقال : " نور الغريزة مع التجارب ، يزيد ويقوى بالعلم والحلم " . وكان يقول : " فقدنا ثلاثة أشياء : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الأمانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء " . « 2 » وقال السمعاني : كان أحمد بن حنبل يكرهه لنظره في علم الكلام ، وتصنيفه فيه ؛ وهجره ، فاستخفى من العامة ، فلما مات لم يصلّ عليه إلا أربعة نفر « 3 » . قال : وعرف بالمحاسبي لأنه كان يحاسب نفسه . « 4 » قال ابن خلّكان : وهو أحد رجال الحقيقة ، وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن ، وله
--> ( 1 ) الرسالة القشيرية 1 / 80 ، حلية الأولياء 10 / 74 - 75 ، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2 / 38 ، صفة الصفوة 2 / 368 ، تاريخ الإسلام 18 / 207 ، طبقات ابن الملقّن 176 . ( 2 ) حلية الأولياء 10 / 75 ، تاريخ بغداد 8 / 212 ، تهذيب الكمال 5 / 212 ، صفة الصفوة 2 / 367 ، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2 / 41 ، تاريخ الإسلام 18 / 208 ، واللمع 246 ، ووفيات الأعيان 2 / 58 . ( 3 ) وفيات الأعيان 2 / 58 . ( 4 ) انظر : اللباب 3 / 103 ، وطبقات الأولياء 175 ، ووفيات الأعيان 2 / 58 .